الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

239

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

بلتعة : أهلي وعيالي في مكة ، وأردت أن أمنع عنهم الأذى وأصونهم بعملي هذا ، ( واتخذ عند أهلها يدا ) يقول تعالى : لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم . وذلك لأن الأرحام والأولاد المشركين سوف لن يجلبوا خيرا وعزة في الدنيا ولا نجاة في الآخرة . إذن لماذا تتصرفون وتعملون مثل هذا العمل الذي يوجب سخط البارئ ، وذلك بالتقرب من أعداء الله وإرضاء المشركين والبعد عن أوليائه تعالى وجلب الضرر على المسلمين ؟ ثم يضيف تعالى : يوم القيامة يفصل بينكم ( 1 ) . وهذا تأكيد على أن مقام أهل الإيمان هو الجنة ، وأن أهل الكفر يساقون إلى جهنم وبئس المصير ، وهو بيان آخر وتوضيح لما تقدم سابقا من أن عملية الفرز والفصل ستكون فيما بينكم ، حيث ستقطع الأواصر بصورة تامة بين الأرحام بلحاظ طبيعة الإيمان والكفر الذي هم عليه ، ولن يغني أحد عن الآخر شيئا ، وهذا المعنى مشابه لما ورد في قوله تعالى : يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه ( 2 ) وفي نهاية الآية يحذر الجميع مرة أخرى بقوله تعالى : والله بما تعملون بصير . إنه عالم بنياتكم ، وعالم بالأعمال التي تصدر منكم ، سواء كانت في حالة السر أو العلن ، وإذا كانت المصلحة الإلهية تقتضي عدم إفشاء أسراركم أحيانا كما في حادثة حاطب بن أبي بلتعة ، فلأنها لحكمة أو مصلحة يراها سبحانه ، وليس لأنه لا يعلم بها أو تخفى عليه خافية .

--> 1 - يعتقد أكثر المفسرين أن : ( يوم القيامة ) متعلقة ب‍ ( يفصل ) إلا أن البعض الآخر يعتقد بأنها متعلقة ب‍ ( لن تنفعكم ) والنتيجة أن كلا الرأيين متقاربان بالرغم من أن المعنى الأول أنسب حسب الظاهر . كما أن الملاحظ أن البعض فسر ( يفصل ) بمعنى فصل شيئين بالمعنى المتعارف ، والبعض الآخر إعتبرها من ( فصل ) بمعنى الحكم والقضاء بين اثنين ، إلا أن المعنى الأول أصح . 2 - عبس ، الآية 34 - 36 .